جارٍ التحميل…
وادي حجر أحد أودية حضرموت الكبرى، يقع غرب مدينة المكلا ويمتد من الشمال إلى الجنوب بطول 200 كيلومترًا ومساحة 10,000 كيلومتر مربع.

في جنوب الجزيرة العربية، حيث تشق الأودية طريقها بين الجبال نحو البحر، يقع وادٍ لا يشبه غيره، وهووادي حجرأحد أودية حضرموت الكبرى، يقع غرب مدينة المكلا ويمتد من الشمال إلى الجنوب بطول 200 كيلومترًا ومساحة 10,000 كيلومتر مربع.
لكن ما يجعله فريدًا ليس حجمه، بل ما تحمله أرضه من نخيل وتمور جعلت له اسمًا خاصًا في ذاكرة اليمنيين جيلًا بعد جيل: "تمر حجر لا يضاهيه تمر باليمن على الإطلاق، وله شعبية كاسحة، ولا يخلو بيت من تمر حجر على مدار العام."
وادٍ يجري نهره طوال العام
السر في هذا الوادي ليس فقط في التربة أو المناخ، بل في شيء أندر من ذلك بكثير في جنوب الجزيرة العربية. الوادي به نهر يجري طوال العام لوجود عيون تغذيه، فهو وادٍ خصيب وزراعي دائم الخضرة، وتنتهي مياهه في منطقة ميفع حجر على ساحل البحر العربي، وعلى ضفتي هذا النهر الدائم تمتد بساتين النخيل في وادي حضرموت في مشهد لا يكاد يتخيله من لم يره، فيه عيون ماء حارة جدًا قد تصل إلى درجة الغليان.
وعلى امتداده توجد قرى بها مساحات واسعة من الأراضي الزراعية حيث تغزر الحياة النباتية وحقول الذرة والسمسم والبلح التي تُروى من قنوات تستمد ماءها من ينابيع وعيون لا تنقطع، وهذا الماء الدائم هو ما يُفسّر وجود ثروة نخيل لا مثيل لها في المنطقة.
ثلاثة ملايين نخلة وتسمية تقول كل شيء
انطلاقًا من هذا الواقع الجغرافي الاستثنائي، نشأت ثروة نخيل لا تُقدَّر، فعلى طول ضفتي النهر توجد بساتين من النخيل الذي ينتج أفضل أنواع التمور، يُقدر عددها بحوالي ثلاثة ملايين نخلة، ولكثرة أشجارها أطلق عليها البعض اسم "مديرية النخيل".
واسمٌ كهذا لا يُمنح من فراغ، فهو شهادة شعبية متوارثة على مكانة الوادي في خارطة النخيل في حضرموت والجزيرة العربية.
وتاريخيًا، أطلق على الوادي اسم "وادي المليون نخلة" لكثرة مزارع النخيل فيه، قبل أن تتضاعف الأشجار وتتجاوز ذلك الرقم بمراحل.
مديرية حجر.. قلب النخيل الحضرمي
ومن بين كل المناطق التي تضمها حضرموت، تحتل مديرية حجر مكانةً لا تُنازع حيث تُعدّ الأشهر في إنتاج تمور حضرموت باليمن.
إذ يُقدَّر عدد أشجار النخيل في بلداتها بنحو مليوني نخلة، تُشكّل المصدر الرئيس لعيش المئات من سكانها البالغ عددهم نحو 45 ألف نسمة، و تقع على بُعد 156 كيلومترًا غرب المكلا، حيث تتضافر عوامل التربة والماء والمناخ لتصنع بيئة زراعية لا تُكرر.
وتُقدر كمية إنتاج التمور سنويًا في المديرية بحوالي 20 ألف طن، في عملية تسبقها مرحلة تجهيز تبدأ مع خروج التمر من النخيل وتستغرق ما بين أربعة إلى خمسة أشهر.
موسم الحصاد.. طقوس متوارثة من جلد الإبل إلى السيارة
ولفهم ما يعنيه هذا الإنتاج على أرض الواقع، لا بد من الوقوف عند طقوس الحصاد التي تجري في الوادي كل عام. مع بداية أغسطس تبدأ عملية حصاد تمور وادي حجر، ويستعد لها مزارعون ذوو خبرة يُسمَّون "القطّاعة"، يستخدمون المرقد المصنوع من جلود الإبل أو الثور، وأداة حادة تُعرف بالشفرة أو الشريم، وحبلًا يربطه القاطع بنفسه ليصعد إلى أعلى النخلة ويحصد الثمار.
وتُعبأ التمور في أوعية تُنزل إلى المتلقي أسفل النخلة، لتُنقل بعدها بالسيارات إلى أماكن الحفظ، أما ما يتبقى في نهاية الموسم فيُقطف ويُجفف تحت أشعة الشمس أسبوعًا كاملًا، ليُخزَّن للأكل طوال العام حتى اقتراب الموسم الجديد.
تمر حجر.. غذاء ودواء وهوية
وما يجعل تمر حجر مختلفًا لا يقف عند طعمه ومذاقه ، بل يمتد إلى ما يمثله في الوجدان الحضرمي، فهو صحي ومفيد، ويمكن خلطه مع السمسم ليعطي الجسم قوة ومقاومة، ويُعتبر منجم الفيتامينات في الأرياف.
ولا يقتصر دوره على الاستهلاك المحلي؛ إذ تُصدر تمور المديرية خلال موسم الخريف من كل عام، ويتجاوز ما يُصدر منها إلى مختلف محافظات الجمهورية 60 ألف سلة من التمور الطازجة بوزن 20 كيلوجرامًا للسلة، إضافة إلى تغطية احتياجات السوق المحلية في حضرموت من التمور المجففة طوال العام.
تحديات تهدد الإرث
هذا الإرث الزراعي العريق لا يخلو من مخاطر تستوجب الانتباه، فخلال الأعوام القليلة الماضية، شهدت مزارع النخيل في وادي حجر تدهورًا كبيرًا وهلاكًا لآلاف الأشجار، وتتضافر في إحداث هذا التدهور أسباب متعددة.
أبرزها عدم توفر مصادر مياه مستمرة بسبب انجراف قنوات الري جراء السيول والأمطار، والانخفاض الحاد في أسعار تمور حضرموت نتيجة زيادة العرض على الطلب بسبب البيع العشوائي، وغياب تنظيم عملية التسويق والتصدير.
وتكشف البيانات الهيدرولوجية عن المفارقة الصعبة التي يعيشها الوادي، إذ تُقدر كمية السيول التي تصب فيه سنويًا بحوالي 340 مليون متر مكعب، موزعةً بنسبة 40% إلى البحر، و30% لتغذية الخزانات الجوفية، و30% للاستخدام الزراعي السطحي.
مياه وفيرة لكنها غير مُدارة بالكفاءة المطلوبة ، وهو ما يُشكل تحديًا حقيقيًا أمام استدامة هذا القطاع الحيوي.
وعلى الرغم من هذه التحديات، تبقى الإرادة البحثية والمؤسسية حاضرة، حيث تسعى جامعة سيئون من خلال مركز النخيل والتمور إلى جمع وحفظ أصناف النخيل في حضرموت المختلفة كأصول وراثية، وإقامة مشاريع لتطوير زراعة النخيل وإنتاج التمور، ونشر الوعي بأهميتها البيئية والغذائية والاقتصادية.
وهو مسار يُعيد لهذا الوادي بعضًا مما يستحقه من اهتمام علمي ومؤسسي.
في النهاية، وادي حجر ليس مجرد منطقة زراعية على خريطة اليمن ، بل هو حضارة نخيل حية، نشأت على ضفاف نهر لا ينقطع، وتوارثتها أجيال عرفت كيف تستخرج من التمرة غذاءً وكسبًا وهوية.
وما يواجهه اليوم من تحديات ليس نهايةً لهذا الإرث، بل نداءٌ لمن يملك القرار أن يُحسن إدارة ما أنعم الله به على هذه الأرض من ماء ونخيل وعطاء لا ينضب.