جارٍ التحميل…
تمر الزهدي ليس مجرد محصول زراعي عراقي ، بل هو رهان بغداد الأكبر على تحويل ثروتها النباتية العريقة إلى حضور فعلي في الأسواق الدولية.

من ضفاف دجلة والفرات، حيث تمتد النخيل في أفق لا ينتهي، يخرج إلى العالم صنفٌ لا يشبه غيره.
تمر الزهدي ليس مجرد محصول زراعي عراقي ، بل هو رهان بغداد الأكبر على تحويل ثروتها النباتية العريقة إلى حضور فعلي في الأسواق الدولية.
وما تكشفه أرقام وزارة الزراعة العراقية اليوم يؤكد أن هذا الرهان بدأ يُثمر.
العراق والنخيل.. علاقة لا تنقطع
يحتل العراق مكانةً متقدمة بين أكثر دول العالم امتلاكًا لثروة النخيل، إذ تجاوز عدد أشجار النخيل فيه 22 مليون نخلة، تنتج سنويًا كميات ضخمة تُغذّي السوق المحلية وتتجه بجزء كبير منها نحو التصدير.
وقد أكدت وزارة الزراعة العراقية أن صادرات التمور تجاوزت 600 ألف طن خلال عام 2025، يُضاف إليها أكثر من 100 ألف طن من عجينة التمر ، أرقام تعكس قطاعًا في حالة نمو حقيقي لا مجرد أمانٍ على الورق.
ولعل ما يُضفي على هذه الأرقام قيمةً إضافية أن العراق لا يمتلك مجرد كميات ضخمة، بل يمتلك تنوعًا استثنائيًا يتجاوز 600 صنف من التمور محليًا، مما يجعله واحدًا من أغنى بيئات النخيل على وجه الأرض.
الزهدي.. الصنف الذي اختار نفسه
من بين كل هذا التنوع، برز تمر الزهدي بوصفه النجم التصديري الأول، فهو الأكثر غزارةً في الإنتاج، والأعلى حجمًا بين الأصناف المُصدَّرة، والأكثر طلبًا في الأسواق الخارجية لا سيما في آسيا وأوروبا.
ولهذا التميز أسبابه الموضوعية التي لا تتعلق بالتسويق بقدر ما تتعلق بطبيعة الصنف ذاته.
يتميز الزهدي بلونه الذهبي المائل إلى البني الفاتح وقوامه الجاف نسبيًا مقارنةً بأصناف أخرى، وهي خاصية تبدو بسيطة لكنها تعني في عالم التصدير شيئًا بالغ الأهمية: قابلية التخزين لفترات طويلة دون فقدان الجودة.
وفي سوق تقطعه البضائع آلاف الكيلومترات قبل أن تصل إلى المستهلك، هذه الخاصية تُرجَم مباشرةً إلى قدرة تنافسية حقيقية.
من المزرعة إلى المصنع
لكن الزهدي لا يقف عند حدود ثمرة تؤكل، فهو يُشكّل العمود الفقري للصناعات التحويلية للتمور في العراق، إذ يدخل في إنتاج الدبس والحلويات وعجينة التمر والمحاليل السكرية ، منتجات تحمل قيمةً اقتصادية مضافة تتجاوز بكثير ما تُدرّه الثمرة الخام.
وهذا ما يجعل الزهدي ثروةً مزدوجة: مصدر تصدير مباشر من جهة، ومادة خام لصناعة غذائية متكاملة من جهة أخرى.
وتتركز زراعته بشكل رئيسي في محافظات بغداد والبصرة وبابل، امتدادًا على ضفاف دجلة والفرات، حيث يوفر المناخ الحار الجاف والتربة الغنية بيئةً مثاليةً أسهمت تاريخيًا في تشكيل طابعه المميز.
دعم حكومي يُعجّل الخطوة
وإدراكًا منها لأهمية هذا القطاع، أعلنت وزارة الزراعة العراقية عن منظومة دعم متكاملة تشمل توزيع فسائل النخيل بأسعار مدعومة عبر محطات البستنة المنتشرة في المحافظات، وتنفيذ برامج مكافحة أرضية وجوية لمواجهة آفات النخيل كحشرات الدوباس والسوسة الحمراء.
ويتعزز ذلك بتطوير سلاسل القيمة الخاصة بقطاع التمور، وإدخال تقنيات الزراعة النسيجية، والتعاون مع منظمات دولية لنقل أحدث التقنيات الزراعية إلى المزارعين.
ويعتبر ما يجري في حقول العراق اليوم ليس مجرد موسم حصاد عادي. إنه مسيرة ممنهجة لتحويل إرث زراعي ضارب في عمق التاريخ إلى قوة تصديرية في أسواق القرن الحادي والعشرين. والزهدي ، بلونه الذهبي وقوامه المتماسك وتنوع استخداماته ،يبدو اليوم مؤهلًا أكثر من أي وقت مضى لأن يحمل على عراجينه ليس فقط ثمارًا، بل مستقبل قطاع بأكمله.