جارٍ التحميل…
ثروةٌ في قلب الصحراء تنتظر من يكتشفها

ليبيا في التي يعرفها الجميع تتمثل في النفط والصحراء والشمس الحارقة.. لكن من يمشي جنوباً، بعيداً عن الساحل وبعيداً عن الأخبار، يجد شيئاً آخر تماماً: واحاتٌ خضراء تخترق الرمال، ونخيل عالي، وتمور لا يعرفها كثيرون خارج ليبيا رغم أن الأرض التي تنمو فيها أعرق من أغلب الحضارات المحيطة بها.
يبلغ عدد أصناف التمور في ليبيا 400 صنف ، وهو رقم يساوي ما في إيران وما في شبه الجزيرة العربية كلها، فهو بلد تُعد تموره ثاني مصادر عملته الأجنبية بعد النفط.
الجرمنت .. أول من زرع النخلة في الصحراء
قبل أن تُبنى قرطاج، وقبل أن يصل الرومان إلى شمال أفريقيا، كانت في عمق الصحراء الليبية حضارة كاملة تُدار بنظام هيدروليكي لا يُصدَّق.
إنهت الجرمنت.. قبائل ليبية قديمة سكنت إقليم فزان وأنشأوا مملكة "جرمة".
يقول عنهم عالم الآثار البريطاني "ديفيد ماتينغلي" إن حضارتهم وصل نفوذها إلى ساحل البحر المتوسط وامتد جنوباً إلى تشاد والنيجر، وأنهم كانوا القاعدة الرئيسية التي انطلقت منها الأفكار والمعارف الجديدة لتطويع التقنيات في الصحراء.
ما يربطهم بالتمر تحديداً هو مشروعهم الهندسي الأعظم، حيث ابتكر الجرمنت نظام "الفجّارات"، وهي شبكة ري تحت الأرض تتنقل المياه خلالها من أسفل إلى أعلى لتصل إلى خزانات فوق سطح الأرض، قام 77 ألف عامل ببنائها، وقد مكّنهم هذا النظام من زراعة القمح والشعير والزيتون والعنب والكروم وسط الصحراء، والنخيل بالطبع كان في قلب هذا المشهد الزراعي.
مدينة "جرمة" تضم 6 مواقع أثرية رئيسية وأكثر من 30 قلعة في منطقة وادي الحياة، وتشير المصادر إلى أنها أقدم من الحضارة الفرعونية بنحو 2500 عام — حضارة بهذا العمق كانت النخلة جزءاً أصيلاً منها.
واحاتٌ في قلب الصحراء
تتركز زراعة النخيل في ليبيا بشكل رئيسي في مناطق الواحات والجفرة الواقعة شرق وجنوب شرق البلاد، لا سيما في مدن هون وودان وسوكنة، وتنتج هذه المناطق أكثر من 75 ألف طن سنوياً ما يعادل 40% من إجمالي إنتاج ليبيا.
لكن النجمة الخفية في خارطة التمر الليبي هي "جالو"، المدينة التي قلما يسمع بها أحد خارج ليبيا.
مدينة جالو من أشهر المدن الليبية وأهمها في إنتاج التمور، بالنظر لوجود مليوني نخلة بها، وبها بعض أجود أنواع التمور على غرار دقلة نور.
والكفرة في أقصى الجنوب الشرقي هي واحة معزولة يفصلها عن طرابلس أكثر من ألف كيلومتر من الصحراء، وتعتبر من أغنى وأشهر الواحات من حيث إنتاجها للتمور لطقسها شديد الحرارة صيفاً.
أما فزان بعاصمتها سبها فهي العمق التاريخي لكل هذا، وتعدّ سبها والجنوب عامة الممول الرئيسي لليبيا بمحصول التمر.
400 صنف..ثروةٌ لم تُستثمر بعد
تنتج مناطق ليبيا أكثر من 400 صنف من التمور، منها أصناف شهيرة مثل الدجلة والصعيدي وتمر حليمة والمجهول والعليق ونواية مكة.
تمر حليمة :من أشهر الأصناف الليبية الخالصة، ارتبط اسمه بالذاكرة الشعبية ارتباطاً وثيقاً. حلوٌ كثيف ناعم، ينضج متأخراً في الموسم.
تغيات وتامج وخضراي: أصناف محلية بحتة لا تجدها خارج ليبيا، يبدأ جنيها مع بداية أغسطس حين تبدأ بالتلون.
نواية مكة: اسمٌ يحمل قداسةً ودلالةً دينية، ويُقدَّم في المناسبات والأعياد ويرمز إلى الكرم.
التمر في الموروث الليبي
ليبيا بلدٌ تقاطعت فيه القوافل التجارية لآلاف السنين، كانت طرق القوافل تربط شمال أفريقيا بعمق القارة الإفريقية عبر فزان والكفرة وجالو، والتمر كان الزاد الثابت في كل تلك الرحلات ،لا يفسد في الحرارة ولا يحتاج برودة، ويعطي الطاقة لمن قطع مئات الكيلومترات في الرمال.
كانت واحات الجنوب تُصدِّر تمورها للخارج، كما كان يتبادل سكانها هذه المنتجات مع سكان الشمال مقابل سلع أخرى، ومن مميزات هذه الأنواع أنها تتحمل التخزين لسنوات عديدة.
هذه القدرة على التخزين الطويل ليست مصادفة ، بل هي ميزة كيميائية أصيلة في التمر الليبي الجاف، جعلت منه سلعةً استراتيجية في عالمٍ ما قبل الثلاجة.
وفي المجلس الليبي اليوم، التمر حاضرٌ دائماً مع القهوة، وفي رمضان تُحضَّر أطباق شعبية يدخل فيها التمر مع المكسرات والسمن في حلويات موروثة من جدات الصحراء.
إمكانياتٌ ضخمة و تحديات
تمتلك ليبيا أكثر من 10 ملايين نخلة، ويُقدَّر إنتاجها السنوي بنحو 180 ألف طن، مع تصدير حوالي 50 ألف طن، ويُنظر إلى التمور باعتبارها ثانيَ أكبر مصدر للعملة الأجنبية بعد النفط.
لكن الرقم الأكثر دلالةً جاء في معرض جالو الدولي للتمور في أكتوبر 2024، حبث أوضح أمين عام الاتحاد العربي لمنتجي التمور أن ليبيا تمتلك 10 ملايين نخلة لكن إنتاجها السنوي لا يتجاوز 250 ألف طن، وهذا الرقم يعتبر متواضعاً مقارنةً بالإمكانات الحقيقية للبلاد، حيث يمكنها إنتاج ما لا يقل عن 500 ألف طن سنوياً.
معرض جالو
في أكتوبر 2024 انعقد معرض جالو الدولي الأول للتمور وصناعاتها، الذي يعتبر حدث لافت يعكس إدراكاً متأخراً لكنه جاد بأهمية هذا القطاع.
حضر المعرض الاتحاد العربي لمنتجي ومصنّعي التمور التابع لجامعة الدول العربية، فضلاً عن شركات متخصصة من مصر والجزائر والمغرب وموريتانيا.
وأعلن الاتحاد العربي سعيه لإنشاء مكتب في ليبيا لدعم جهود زيادة الإنتاجية والكشف المبكر عن سوسة النخيل.
تحديات كبيرة تواجها زراعة النخيل في ليبيا
رغم النجاحات التي تحققت، تواجه مزارع النخيل في ليبيا تحديات كبيرة:
1-التكيف مع الظروف المناخية المتغيرة
2- وإدارة الري في ظل محدودية المياه
3- الحاجة إلى تبني وسائل زراعية حديثة
4- إيجاد أسواق جديدة وتطوير سلاسل التوريد.
يُضاف إلى ذلك ما يُعانيه القطاع الزراعي الليبي من أثر الاضطراب السياسي المستمر منذ 2011 غياب استقرار مؤسسي يدعم المزارعين ويحمي استثماراتهم، وضعف شبكات الطرق التي تربط الواحات الداخلية بموانئ التصدير.
وسوسة النخيل الحمراء آفةٌ تهدد بساتين عدة، وقد شكّلت دعوة الاتحاد العربي لإنشاء مكتب للكشف المبكر عنها في ليبيا اعترافاً رسمياً بحجم الخطر.