جارٍ التحميل…
" من دلمون "أرض الفردوس" إلى اليوم

حين سمّى السومريون البحرين "أرض الفردوس العظيم" لم يكن ذلك مجازاً شعرياً، بل كان وصفاً دقيقاً لأرض تفجرت فيها عيون الماء العذب وسط الخليج، وامتلأت بحدائق النخيل الخضراء في موازاة البحر الأزرق.
وُصفت البحرين تاريخياً بأنها "أرض الخلود" أو "أرض الفردوس العظيم" نظراً لشهرتها بينابيع المياه العذبة وغابات النخيل.
وعلى مدى خمسة آلاف سنة، ظلّت النخلة عماد هذه الأرض وعنوانها. لم تكن مجرد شجرة تُعطي ثمراً، بل كانت البيت والغذاء والتجارة والهوية كلها في جذع واحد.
دلمون.. حين كانت البحرين أرض الفردوس
دلمون هي حضارة قديمة قامت في شرق الجزيرة العربية في الألفية الثالثة قبل الميلاد، وعرفها السومريون بأرض الفردوس وأرض الخلود والحياة.
وكانت دلمون بلداً زراعياً وافر المحاصيل نظراً لوفرة المياه العذبة والأرض الخصبة، وكانت تشتهر بإنتاج التمر.
كما كانت دلمون مركزاً تجارياً مهماً وفقاً للنصوص الاقتصادية السومرية في أواخر الألفية الرابعة قبل الميلاد، حيث كانت نقطة عبور للبضائع بين سومر ووادي السند، وتم شحن النحاس ومجموعة متنوعة من السلع من خلالها، كاللؤلؤ والتمر والخضراوات، إلى كل من سومر وبابل.
وكشفت أعمال التنقيب الأثري أن سكان دلمون بنوا بيوتهم ربما من سعف النخيل، فيما مارس آخرون الزراعة قرب منابع المياه وبرعوا في التجارة وأنشأوا موانئ بحرية أصبحت مركزاً لتوزيع السلع بين جنوب بلاد الرافدين وحتى وادي السند.
في خمسينيات القرن العشرين قام فريق من علماء الآثار الدنماركيين بحفريات ودراسات أثرية في مملكة البحرين واكتشفوا أنها مهد حضارة دلمون. ما كان أسطورةً في الألواح السومرية تحوّل إلى حقيقة أثرية موثّقة.
البحرين: بلد المليون نخلة
لقب لا تحمله دولة أخرى في الخليج بهذه الحدّة، حيث عُرفت مملكة البحرين منذ زمن طويل باسم "بلد المليون نخلة"، ربما بسبب التناقض الملحوظ بين مساحتها المتواضعة ومساحاتها الخضراء الوفيرة التي تضم عدداً كبيراً جداً من أشجار النخيل.
وسرّ هذا اللقب ليس في حجم الأرض، بل في ما تحت الأرض. عيون الماء العذب التي فجرت قديماً مزارع النخيل في جزيرة صغيرة وسط الخليج الملحي هي التي صنعت هذا التمييز، فقبل تطور صناعة النفط كانت تهيمن زراعة النخيل في البحرين وإنتاج التمور بشكل كافٍ للاستهلاك المحلي والتصدير.
أصناف تمور البحرين
يُزرع في البحرين ما لا يقل عن ثلاثة وعشرين صنفاً من التمور، وتُستخدم الأوراق والفروع والبراعم والزهور من النخيل على نطاق واسع.
وتُشير تقديرات إدارة الدراسات والتدريب البرلماني إلى أن المملكة بها نحو 257 ألف نخلة تمور، أشهرها الخلاص والخنيزي والمرزبان والمواجي والغرة وحمري وشهل، بحجم إنتاج بلغ 13 ألف طن سنوياً.
الخنيزي:من الأصناف البحرينية الأصيلة، يتميز بحلاوته الطبيعية ولونه الأحمر الغامق عند النضج.
المرزبان:صنف محلي معروف بقوامه الطري وطعمه المتوازن.
الغرة :يُعدّ من أصناف البكور التي تنضج في وقت مبكر من الموسم، ويُؤكل رطباً.
واليوم يُزرع في الجزيرة أكثر من 23 صنفاً، لكل منها خصائصه وطعمه الخاص.
النخلة في حياة البحرينيين
يقول جميل بن خميس، أحد مزارعي النخيل البحرينيين:"في الماضي كانت أشجار النخيل توفر الغذاء، والمادة التي نبني بها أسرتنا، وحتى النار التي كنا نطبخ بها الأرز كانت تؤخذ منها. كل شيء في الحياة كان مرتبطاً بالنخلة."
هذا ليس توصيفاً شعرياً، بل حقيقة عاشها الأجداد، فالجذع للبناء، والسعف للسقف والحصير والسلال، والليف للحبال، والثمر للغذاء، ونواة التمر علفاً للمواشي، وكوانين النخل للحطب، كل هذا يأتي من النخلة.
وقدّمت البحرين في مهرجانات تراثها السنوية، أكشاكاً للتمور والعطور والقهوة التقليدية، والتمور التي تميزت بها البحرين منذ عصور قديمة.
كلمة "نخلاوي" في اللهجة البحرينية تعني "مزارع النخيل"، لقب يُقال بفخر، يُختزل فيه تاريخ طويل من الارتباط بهذه الشجرة.
التحديات..تراجع المليون نخلة
منذ القدم كانت البحرين تُعرف باسم بلد "المليون نخلة"، وإن كان عدد النخيل فيها تقلّص خلال السنين الماضية لعدة أسباب، وعلى رأسها نضوب عيون المياه الجوفية والآبار الارتوازية في كثير من المواقع والأراضي الزراعية، مما أدى إلى تضاؤل كميات المياه الجوفية المتاحة للري، كذلك اختلاط طبقات المياه العذبة بالمياه المالحة، ناهيك عن تحوّل الكثير من الأراضي الزراعية إلى مناطق سكنية نتيجة الزحف العمراني.
ومن الخمسينيات إلى السبعينيات تغيّرت عادات الاستهلاك الغذائي فضلاً عن زيادة الملوحة في المياه الجوفية التي كانت مصادر الري، وأدى ذلك إلى انخفاض تدريجي في الزراعة.
واستوردت البحرين في 2021 نحو 4295 طناً من التمور، منها 77% من المملكة العربية السعودية.
البحرين وتراث النخيل العالمي
شاركت هيئة البحرين للثقافة والآثار في الاجتماع الإقليمي الأول لإعداد ملف ترشيح "النخلة والعادات والطقوس المتعلقة بها تراثاً عربياً مشتركاً"، ويهدف المشروع إلى تسجيل النخلة وما يتعلق بها من تراث في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية التابعة لمنظمة اليونسكو.
وفي عام 2019 أدرجت منظمة اليونسكو عنصر نخيل التمر في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، حيث يُمثّل هذا الملف 15 دولة عربية من بينها البحرين، تقديراً للموروث الحضاري العميق المرتبط بهذه الشجرة.
دولة عظيمة بسبب ما تحمله أرضها
في دولة لا تتجاوز مساحتها 780 كيلومتراً مربعاً، أن تحمل لقب "أم المليون نخلة" منذ آلاف السنين هذا وحده يقول الكثير.
البحرين رغم صغرها،كانت ومازالت عظيمة بسبب ما في أرضها من ماء عذب وتمر طيب وتاريخ ضارب في العمق.
من دلمون أرض الفردوس التي عرفها السومريون، إلى مزارع الخلاص والخنيزي.
حتى اليوم، لم تنقطع الخيوط الرابطة بين هذه الجزيرة وشجرتها المباركة.