جارٍ التحميل…
حيث نخلة واحدة تحمل خمسة أصناف من التمور، كل منها بطعمه ولونه وطبيعته المختلفة، من جذع واحد وفي موسم واحد.

هناك في عالم الزراعة أفكار تبدو للوهلة الأولى مجرد تجربة معملية، ثم تتحول مع الوقت إلى نقطة تحوّل حقيقية.
وما حققه المركز الوطني للنخيل والتمور في الأحساء ينتمي إلى هذا النوع تمامًا حيث نخلة واحدة تحمل خمسة أصناف من التمور، كل منها بطعمه ولونه وطبيعته المختلفة، من جذع واحد وفي موسم واحد.
أرضٌ تختزن العالم في واحة
الأحساء ليست مجرد منطقة زراعية، بل هي سياقٌ لا يمكن فهم أي إنجاز يخرج منها دون استيعابه أولًا، فواحتها تمتد على 85 كيلومترًا مربعًا، وتضم أكثر من 2.5 مليون نخلة تنتج ما يتجاوز 200 ألف طن من التمور سنويًا، أدرجتها اليونسكو على قائمة التراث العالمي، ووصفها الجغرافيون بأنها أكبر واحة نخيل وسط الرمال في العالم.
لكن ما يجعلها مختلفة فعلًا ليس الحجم ، بل التنوع الذي تختزنه. أكثر من 70 صنفًا في مكانٍ واحد، تتصدرها الخلاص، يليه الشيشي والشبيبي والرزيز والهلالي وعشرات سواها.
وهذا التنوع تحديدًا هو ما أهّلها لدخول موسوعة غينيس عام 2021 بوصفها أكبر بنك أصول وراثي للنخيل في العالم، بأكثر من 127 صنفًا دوليًا ووطنيًا.
ومن رحم هذا الإرث تحديدًا وُلدت الفكرة.
الفكرة التي غيّرت المعادلة
توصّل المركز الوطني للنخيل والتمور إلى تقنية تقوم على إزالة الرواكيب من النخلة، ثم إحلال مكانها نخيل مُكاثَر نسيجيًا بأصناف مختلفة في آنٍ واحد، منهاالسكريوعجوة المدينةوالشيشي. النتيجة جذعٌ واحد يحمل خمسة أصناف، كل منها بلونه ومذاقه الخاص.
تبدو الفكرة بسيطة، لكن تداعياتها الاقتصادية أبعد من ذلك بكثير، فالمزارع الذي كان يحتاج قطعة أرض لكل صنف، بات بإمكانه الحصول على خمسة أصناف من مساحة واحدة.
وفي بلدٍ تتصاعد فيه الضغوط على الأرض الزراعية والمياه معًا، هذا ليس ترفًا ، بل هو بالضبط نوع التفكير الذي يحتاجه القطاع.
شروط النجاح: الخبرة الزراعية أساس لا يُستغنى عنه
نجاح التجربة في المختبر شيء، وتطبيقها على نطاق واسع شيء آخر. إذ تستلزم مراعاة المعاملات الزراعية الدقيقة التي تشمل خفّ الثمار بعد التلقيح، حيث تُزال ثمرة وتُترك الأخرى حتى تكتمل وتكبر، ثم جنيها على فترات متتالية منذ بداية تحوّلها إلى رطب وحفظها في مكان بارد حتى تكتمل مرحلة التمر.
بمعنى آخر، النخلة متعددة الأصناف ليست وصفة سحرية تُغني عن الخبرة الزراعية، بل هي أداة تضاعف الإنتاجية في يد المزارع المتمرس الذي يفهم طبيعة كل صنف واحتياجاته.
وهنا تبرز أهمية البنية التحتية التي تمتلكها الأحساء، إذ تضم 32 مصنعًا للتمور تقدم صناعات تحويلية متنوعة كالدبس وعصائر التمر، في منظومة متكاملة تربط المزارع بالمستهلك محليًا وخليجيًا.
ابتكار موازٍ.. حين يتحول ما يُهدَر إلى ثروة
وإلى جانب تجربة النخلة متعددة الأصناف، نجح المركز في ابتكار موازٍ لا يقل دلالةً، إذ أنتج مخلل البسر والبلح بنكهات متعددة من صنف الهلالي، وهو صنف لا تتحول نسبة كبيرة منه إلى رطب فتبقى في مرحلة البسر. وبدلًا من اعتبار ذلك خسارة، استغله الباحثون في صناعة المربيات والمخللات، تجسيدًا عمليًا لمبدأ الاستفادة الكاملة من النخلة الذي آمن به الأجداد قبل أن تُثبته الأبحاث الحديثة.
وهو توجه انعكس كذلك على المشهد التجاري في المنطقة، حيث باتت مقاهي المنطقة الشرقية تُدخل التمر الحساوي في مشروباتها ومخبوزاتها بنكهات مبتكرة لم تعتمد على أي مكوّن خارج الأحساء.
الأحساء في حركة ابتكار لا تتوقف
ما يجعل هذه التجربة أكثر دلالةً أنها لا تأتي منفردة، بل ضمن موجة ابتكار متواصلة تشهدها الأحساء منذ سنوات.
فعلى مدار المواسم الأخيرة، تجمع في المحافظة التقاليد العريقة مع التكنولوجيا الحديثة لإنتاج تمور عالية الجودة، كما يشهد موسم الصرام السنوي حراكًا اقتصاديًا وبحثيًا متناميًا يجذب المستثمرين والتجار من داخل المملكة وخارجها. وقد تُوِّج هذا المسار بدخول الأحساء موسوعة غينيس، ثم بتنظيم مهرجانات دولية للتمور تربط المنتج بالمشتري في بيئة أعمال مباشرة تعكس عمق هذا القطاع وحيويته.
ماذا يعني هذا للمستقبل؟
التجربة في جوهرها رسالة واضحة: مستقبل قطاع التمور السعودي لن يكون في زيادة عدد النخيل فقط، بل في رفع كفاءة النخلة الواحدة وتعظيم قيمتها الإنتاجية.
وإذا كانت نخلة واحدة قادرة على إنتاج خمسة أصناف بدلًا من صنف واحد، فإن معادلة الإنتاج والتصدير والتنوع تتغير تغيرًا جذريًا.
وتأتي هذه الخطوة في سياق مسيرة متكاملة تقودها المملكة العربية السعودية، التي تنتج أكثر من 2.5 مليون طن من التمور سنويًا وتحتل مكانةً ريادية في الأسواق العالمية.