جارٍ التحميل…
تاريخ النخلة والتمر منذ آلاف السنين مرورًا بالرافدين والفراعنة لمائدة الرسول وغزواته وصولًا ليومنا هذا

قبل أن يعرف الإنسان معنى الاستقرار، كانت النخلة حاضرة في المشهد، تنمو في أقسى البيئات وتمنح غذاءً جاهزًا للحياة. لم تكن مجرد شجرة في الصحراء، بل كانت أحد الأسباب الأولى التي ساعدت الإنسان على البقاء والتأقلم مع الطبيعة من حوله.
ومع مرور الوقت، لم تعد النخلة مصدرًا للغذاء فقط، بل تحولت إلى عنصر أساسي في حياة المجتمعات، ارتبطت بالمعيشة والتجارة، وأصبحت جزءًا من التاريخ الإنساني في مختلف الحضارات التي قامت في البيئات الصحراوية.
اختلفت الدراسات في تحديد الموطن الأصلي لأشجار نخيل التمر، لكن اتفق المؤرخون على أن أقدم ما عُرف عن النخيل كان في بلاد الرافدين، حيث حظيت النخلة بقدسية وعُدت شجرة مباركة وشُرعت القوانين لحمايتها.
تشير المصادر التاريخية إلى أن الفضل في ذلك يعود "للسومريين" الذين زرعوا هذه الشجرة وعاشوا على ثمارها في بلاد وادي الرافدين منذ أكثر من 3000 سنة قبل الميلاد، ومنذ ذلك الوقت انتشرت حدائق النخيل بشكل واسع وظهر عدد كبير من الأصناف المميزة حتى أصبح محصول التمر أحد المصادر الأساسية لغذاء السكان.
فمنذ عهد (الوركاء) العائد للألف الرابع قبل الميلاد وُجدت شجرة نخيل التمر بشكل نُحت على إناء من الرخام منقوش عليه سلة من التمر يقدمها كاهن إلى الآلهة، وكان الرافدينيون يرمزون للنخلة بـ"شجرة النخلة المقدسة" في نقوشهم وآثارهم.
وقد وُجدت في العراق لوحة أثرية مسجل عليها طريقة إجراء عملية تلقيح النخيل، وفي القطع الطينية الأثرية التي عُثر عليها في بلاد ما بين النهرين منذ أكثر من 3000 سنة قبل الميلاد ما يدل على أن القدماء عرفوا عملية التلقيح الصناعي، وأدرك القدماء من سكان ما بين النهرين أن النخل ذكر وأنثى.
ولم يكتفِ السومريون بالزراعة، بل نظّموها قانوناً حيث كانت جميع المقاولات التي تتناول البساتين أيام حمورابي تشير إلى التمر، وأن غرس البستان يعني غرس النخل، وتنص المادة الرابعة والستون من شريعة حمورابي على أنه إذا عهد مالك إلى فلاح تلقيح نخيل بستانه والعناية به فعليه أن يسلم ثلثي الحاصل إلى صاحب البستان ويأخذ لنفسه الثلث.
ومعنى أن تدخل النخلة في التشريع فهذا يعني أنها كانت ثروة حقيقية لا مجرد شجرة.
على الضفة الغربية للنيل، لم ينظر المصريون القدماء إلى النخلة نظرة المزارع إلى المحصول ، بل نظروا إليها نظرة المؤمن إلى رمز مقدس، حيث كانت "شجرة الحياة" في عقيدتهم، وكانت تُزرع في الحدائق الملكية وتُنقش على جدران المعابد.
عثر عالم الآثار "زين هارت" في مقبرة في الزريقات في مصر على مومياء من عصر ما قبل التاريخ ملفوفة في حصير من سعف النخيل، كما عثر على نخلة صغيرة كاملة بإحدى مقابر سقارة حول مومياء من عصر الأسرة الأولى حوالي 3200 سنة قبل الميلاد، وكان النخيل من أهم الأشجار التي ازدانت بها الحدائق القديمة مثل حديقة "متن" التي تنتمي إلى عصر الأسرة الرابعة من الفراعنة حوالي 2720 سنة قبل الميلاد، ولقد دلت الحفريات التي أُجريت في مقابر الفراعنة على عظيم تقديرهم لها حتى أنهم نقشوها على جدران معابدهم.
الاسم المصري القديم للتمر هو "بنراوبنرت" ومعناه الحلاوة، وهي تسمية قديمة تنفرد بها اللغة المصرية القديمة مما يدل على قِدَم توطن النخيل، حيث عُثر في مقابر سقارة على نخلة صغيرة كاملة من عصر الأسرة الأولى حوالي 3200 ق.م.
وقد كان البلح المجفف في مقبرة توت عنخ آمون حوالي 1350 ق.م صالحاً للأكل.
والمفاجأة كانت تمرٌ عمره أكثر من ثلاثة آلاف سنة، وُجد في قبر فرعون، لا يزال صالحاً للأكل.. هذا وحده يكفي لتفهم لماذا اعتبر الأقدمون هذه الثمرة هبةً إلهية.
وكشف خبير أثري، أنه كما دخل البلح فى أصناف طعامهم، واستخرجوا من منقوع التمر نوعا من الخمر، وكان يستعمل فى التحنيط لاحتوائه على الكحول، كما يعد التمر وعصارته المعروفة الآن بـ"دبس التمر" من الثمار السبع الممتازة، ولم يكتفوا بثماره بل كانت هناك صناعات حرفية قائمة على كل مايستخرج من النخلة، كالجريد والجذوع والسعف فى الحصر والسلال، كما تم استخدام النواة فى الوصفات الطبية، كما صنعت منة قلائد وحلى من البلح ذاته ليتبرك بها النساء والفتيات ويصنع من سعفه صنادل، ومازالت هذه الصناعات قائمة ومستمرة فى كل أنحاء مصر يتوارثها الأبناء عن الأجداد.
وأضاف الخبير: "كان سعف النخيل الأخضر يرمز لبداية العام ويعبرعن الحياة، المتجددة فى خروجه من قلب الشجرة يتبركون به ويصنــعون منه، ضفائر للزينة يعلقونها على الأبواب ويحملون باقات السعف لتوضع على المقابر فى عيد رأس السنة، وكانوا يوزعون ثمار النخيل الجافة (البلح) صدقة على أرواح موتـاهم، ويصنعون من سعف النخيل أنواعا مختلفة من التمــائم، والمعلقات التى يضعها الناس على صدورهم وحول أعناقهم رمزا، لتجدد الحياة فى العام الجديد والحفظ من الأرواح الشـريرة".
وأشار إلى أن"الشـباب يحملون سعف النخيل أثناء رقصاتهم الشـعبية، والجنائزية وانتقــلت هذه المظاهر الى إحتفالات احد السعف فى المسيحية ووضع جريدالنخل الأخضر على قبور الموتى فى الديانة الإسلامية".
1-التمر في بيت النبي
عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: "يا عائشة، بيتٌ لا تمر فيه جِياعٌ أهله" — قالها مرتين أو ثلاثاً. رواه مسلم.
2-الإفطار على التمر
روي عن سلمان بن عامر الضبي رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: "إذا أفطر أحدكم، فليفطر على تمر فإن لم يجد فليفطر على ماء فإنه طهور". رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
3-تحنيك المولود
روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ كان يُؤتى بالصبيان فيبرّك عليهم ويحنّكهم.
وفي رواية أنس بن مالك رضي الله عنه أن أبا طلحة أتى النبي ﷺ بابنه حين وُلد فقال: "هل معك تمر؟ قلت: نعم، فناولته تمرات فلاكهن، ثم فغر فاه، فمجه فيه، فجعل يتلمظ، فقال رسول الله ﷺ: انظروا حب الأنصار التمر." رواه مسلم.
وقال الإمام النووي رحمه الله: "اتَّفق العلماء على استحباب تحنيك المولود عند ولادته بتمر، فإن تعذَّر فما في معناه وقريب منه من الحلو." شرح النووي على مسلم (14/122).
عجوة المدينة
عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ تَصَبَّحَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ في ذلك اليومِ سُمٌّ وَلاَ سِحْرٌ". متفق عليه — رواه البخاري (5769) ومسلم (2047).والعجوة: أجود تمر المدينة، تميل إلى السواد.
التمر في السفر والغزو
كما كان التمر زاد الصحابة في غزواتهم، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام." وكان الثريد يُصنع في الغالب مع التمر أو يُكمَل به،
وكان الصحابة في غزواتهم يحملون التمر معهم لأنه لا يفسد في الحر ويعطي الطاقة في المسير ، تماماً كما كان فعل أجدادهم في قوافل الصحراء قبل الإسلام بآلاف السنين، فكان يتم التصدق بالتمر في الغزوات نظرا لمكانتها الاقتصادية في ذلك الوقت.
ومنذ ذلك الزمن البعيد وحتى اليوم، لم تتغيّر مكانة النخلة كثيرًا، لا تزال حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، من الطقوس الدينية إلى العادات الغذائية، ومن التراث إلى الاقتصاد، ما بدأ كسلة تمر تُقدَّم في معابد الحضارات القديمة، أصبح اليوم صناعة عالمية تمتد عبر القارات.
ورغم كل ما شهده العالم من تطور، بقيت النخلة ثابتة في موقعها، تمنح بلا انقطاع، وتُثبت مع كل جيل أن قيمتها لا ترتبط بزمن، بل بإحتياجات لا تتغير.
ستة آلاف عام مرّت، وما زالت النخلة تؤدي بثبات، وبعطاء لا ينتهي.